محمد جمال الدين القاسمي
20
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الثانية . قال ابن كثير : أجابه تعالى إلى ما سأل ، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع . ولا معقب لحكمه . وقال الإمام أبو سعد المحسن بن كرامة الجشميّ اليمانيّ في تفسيره ( التهذيب ) : ومتى قيل : ما وجه سؤاله مع أنه مطرود وملعون ؟ فجوابنا علمه بإحسانه تعالى إلى خلقه من أطاع ومن عصى ، فلم يمنعه من السؤال ما ارتكب من المعصية . ومتى قيل : هل خاطبه بهذا ؟ قلنا : يحتمل ذاك ، ويحتمل أنه أمر ملكا فخاطبه به . ومتى قيل : هل يجوز إجابة دعاء الكافر ؟ قلنا : فيه خلاف . الأول : قيل لا ، لأنه إكرام وتعظيم - عن أبي عليّ - ولذلك يقال : فلان مستجاب الدعوة ، وإنظاره لا على سبيل إجابة دعائه ، لأنه ملعون ولأنه لم يسأل على وجه الخضوع . الثاني : يجوز إجابة دعائه استصلاحا له ، لأنه تفضّل - عن أبي بكر أحمد بن عليّ - وليس بالوجه . ومتى قيل : إذا أنظر هل يكون إغراء بالمعصية ؟ قلنا : لا ، لأنه لم يعلم ما الوقت المعلوم ، فلا يكون إغراء مع تجويزه هجوم الموت عليه ، ولأنه تعالى لما أعلمه أنه يدخله النار ، ولعنه - علم أنه لا يختار الإيمان أبدا . ومتى قيل : ما فائدة إنظاره ؟ قلنا : لطف له ، لأنه يمكنه من استدراك أمره . وهل يضل به أحد ؟ قال أبو عليّ ، لا ، لقوله تعالى : ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [ الصافات : 162 ] ، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 163 ] . ولأنه لو ضل به ، لكان بقاؤه مفسدة ، فكان اللّه تعالى لا ينظره . فأما أبو هاشم فيجوّز أن يضل به أحد ، ويكون بمنزلة زيادة الشهوة ، ويجوز أن يكون لطفا من وجوه : أحدها أن المكلف مع وسوسته إذا امتنع من القبيح ، وكان ثوابه أكثر ، ولأنه تعالى عرفنا عداوته ، والعاقل يجتهد في أن يغيظ عدوّه ويغمّه ، وذلك إنما يكون بطاعة ربه ، ومن أطاعه فمن قبل نفسه أتى ، لا من قبل ربه . انتهى كلام الجشمي ، وهو جار على أصول المعتزلة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 16 ] قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي أضللتني عن الهدى ، أو حكمت بغوايتي . والباء للقسم ، كما في قوله تعالى : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ ص : 82 ] . أي : فأقسم بإغوائك إياي . وقيل : هي بمعنى لام التعليل ، أي : لأجل إغوائك إياي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ أي :